كيف انتهت رحلة السائحة البولندية في مرسي علم بالموت؟.. تفاصيل الأنفاس الأخيرة – 360[dot]media
title

۱٤ مايو ۲۰۱۷

بحلول الرابع عشر من مايو يمر أسبوعان على حادثة امتدت ألغازها بين سطور وسائل الإعلام في مصر وخارجها.

خبر لسقوط فتاة بولندية من نافذة غرفة بمستشفى على ساحل البحر الأحمر، حملت تفاصيله أسئلة لم يحسمها أحد، ودارت التكهنات بين فلك الانتحار والقتل.

الفتاة تركت وراء موتها مقطعي فيديو، الأول داخل فندق “هيرمس”، حيث كانت تقيم، تحدثت فيه مع صديقها وهي مذعورة، ودار بينهما نقاش غير مكتمل حول تعرضها لخطر ما لم توضحه، أما الفيديو الثاني كان من كاميرا المراقبة بمستشفى بورتو غالب، تحاول فيه الهروب بينما يحاول العاملون تقييدها.

لذلك، فإن عدم اكتمال الخيوط عن دوافع الانتحار أو القتل حرّك أصابع الاتهام في “وارسو”، عاصمة بولندا ناحية شبهة القتل لعدة أسباب. أبسطها أن سجل الحكومة المصرية غير مطمئن على الإطلاق في تلك الحوادث، وصمتها أثناء الإدانة شيئاً مكرراً.

على مدار أسبوع من مقتلها، لم تخرج الحكومة المصرية بأي بيانات رسمية، توضح أسباب موتها، ما جعل وزير الخارجية البولندي، تحت ضغط من البولنديين على “فيسبوك وتويتر”، يقول إن “الحكومة المصرية ملتزمة بتوضيح أسباب وفاة ماجدالينا”. أما الإعلام المصري فلم يقدم طرحاً كاملاً يجيب عن التساؤلات حول وفاتها واكتفى، فقط، بتبرير دوافعها للانتحار.

يعيش الدكتور أحمد شوقي في مستشفى “بورتو غالب”، على بعد 60 كيلومتر من مدينة مرسى علم، يباشر عمله من مكتب له 4 نوافذ مطلة على الصحراء، وأمامه شاشة تبث كاميرات المراقبة من أغلب طرقات المستشفى.

هذا الرجل منذ أسبوعين ساعد وسائل الإعلام البولندية، على نشر نسخة من أشرطة المراقبة، حين طلبوا الحصول عليها، بدا لمشاهدي مقطع الفيديو أن طاقم المستشفى يعتدي بالضرب على “ماجدالينا” قبل ساعات على سقوطها من نافذة غرفتها.

على مدار 4 دقائق، داخل ممر بالطابق الأول كان 5 من العاملين يحاوطونها. تكوّم جسدها على الأرض، أحياناً. وكانت تصرخ مذعورة أثناء محاولتها الهروب منهم، أحياناً أخرى. ولا يدرك العاملون كيفية التعامل معها، سوى تقييدها من اليدين والرجلين لإدخالها الغرفة 307.

فجأة يظهر في آخر الفيديو الطبيب شوقي، ويأمرهم بالتوقف عن التعامل معها، ثم يصحبهم إلى مكان ما بعيد عن الكاميرات. لم يخش “شوقي” الاتهامات التي وجهت لطاقمه بالاعتداء على “ماجدالينا”، أو سخرية المعلّقين من تصرف الطاقم مع ذعرها.

يقول: “فعلنا كل ما لدينا، لكنها كانت تحتاج تخصصاً طبياً ليس متواجد في المدينة، وسبق أن كتبت تقرير بذلك في المرة الأولى عندما جاءت لنا”.

يخرج “شوقي” من مكتبه في الطابق الثاني، ويقودنا إلى الطابق الأول باتجاه ممر يؤدي إلى الغرفة 307، في نهاية الممر تسلط الكاميرا عدساتها على نفس “الكادر” الذي كانت تحاول “ماجدالينا” الهرب منه في وقت سابق، قبل انتهاء حياتها.

الصحف البولندية، لم تلتقط أي سبب يدفع “ماجدالينا” للانتحار. حياتها بدت سعيدة، وأنشطتها على مواقع التواصل الاجتماعي تشهد بذلك، صور وفيديوهات على شواطئ عدد من البلاد، كانت تهوى البحر، ورياضة الرقص على العمود، تواعد صديقاً، وأسرتها مستقرة تعيش في جنوب بولندا على الحدود الألمانية.

في الخامس والعشرين من أبريل، هبطت طائرة تحملها وحيدة في مطار مرسى علم، كان من المفترض أن يكون صديقها معها، لكن صحفيين بولنديين يحققون في القصة بمرسى علم الآن، يقولون إنه اكتشف في المطار أن جواز سفره منتهياً، لذلك مُنع من السفر.

بعد ليلتين حدث فيهما شيء أو لم يحدث، أرادت “ماجدالينا” العودة إلى بلدها قبل اكتمال رحلتها بـ5 أيام، ذهبت للمطار، مغادرة إلى بولندا، اصطحبها محمود خيري، مندوب سياحي، يعمل في شركة سياحة بين مصر وبولندا، كان مسؤولاً عن ماجدالينا والوفد المرافق لها، لكنها أوقفت في المطار من قِبل السلطات بدعوى عدم استقرار حالتها.

في ذلك اليوم، تلقى الطبيب شوقي اتصالاً هاتفياً من محمود خيري، أخبره خلال المكالمة بوجود فتاة مصابة بحالة نفسية، أرسل لهما الطبيب سيارة إسعاف لإحضارها، لكنها رفضت النزول بمجرد الوصول، كما أخبرهم “شوقي” أن المستشفى لن تستطيع التعامل مع حالتها، وأنها تحتاج لمعالج نفسي، فانصرفوا بها.

في نهار اليوم التالي بعد إعادتها إلى الفندق، هاتفت صديقها عبر “فايبر”، يقول محمود خيري إنها كانت تستخدم هاتفه أثناء إجراء مكالماتها البولندية.

خلال الفيديو الذي سجله صديقها على مدار 13 دقيقة كانت تبكي، بحسب توماس كوبات، مراسل قناة TVN البولندية، الذي ترجم لنا المكالمة، يحاول صديقها معرفة ماذا حدث لها. يقول: “ماذا حدث لكي؟ هل أذاك شخص ما؟ أخبريني!، اطمئني، ماتشو صديقنا سيسافر إليك غداً ليساعدك”، ويكرر طوال الفيديو ذلك الكلام.

بعد 7 دقائق من مقطع المكالمة المسجلة استحضرت “ماجدالينا” قوتها، صرخت وطلبت منه المساعدة، أخبرته أنها تعيش في خوف، وتشعر أنها لن تعود أبداً، وانتهى الفيديو دون توضيح سبب خوفها.

عندما ذهبنا إلى فندق “هيرمس”، الذي كانت تقيم فيه رفض مدير الفندق الحديث معنا، قال إن كل ما لديهم يقع بين يدي النيابة المصرية وشرطة السياحة، والفندق لا يرغب في الحديث مطلقاً حول تلك القصة، لأسباب من ضمنها اتهام وقع على العاملين بالفندق باحتمال تعرضها للاغتصاب، كما أشيع على مواقع التواصل الاجتماعي بين البولنديين، بسبب انتشار فيديو آخر لها مجهول المصدر، من داخل غرفتها، ترتدي فيه “روب أبيض”، وتحاول حجب وجهها به، ومقطع آخر تظهر فيه على الأرض أمام باب غرفة نومها.

بعد دقائق من ذلك الفيديو، رفض الفندق بقاء “ماجدالينا”، وأعيدت إلى المستشفى. يقول الطبيب شوقي إنها كانت شبه نائمة، أيقظها طبيب الطوارئ، وسألها إن حدث لها شيئاً أو تناولت شيئاً فلم تجب، كانت لا تعي بدرجة كاملة أين هي؟.

طلب محمود خيري من الطبيب إيداعها في المستشفى حتى صباح اليوم التالي، آملاً أن يأتي صديقها “ماتشو” ويصحبها عائداً إلى بولندا، وفقاً لـ”خيري”، الذي أكد أن الطبيب شوقي لم يوافق، إلا بعد تفاوض مع شرطة السياحة، ومع ذلك أخبرهم أنه ليس مسؤولاً عن تصرفاتها.

في الحادية عشر من مساء اليوم نفسه، انتبه “شوقي” على اتصال بوجود مشكلة في ممر بالطابق الأول للمستشفى، أمام غرفة “ماجدالينا” تحديداً، كانت تجري من شخص ما، قبل أن ينجح 5 من العاملين بالمستشفى في السيطرة عليها، نزل الطبيب وأعطى لها مخدراً، وأدخلها إلى غرفة 307.

يقول الطبيب إنه وافق على مبيتها في المستشفى بعد تعهد محمود خيري وصديقه مرافقتها مع مرضى المستشفى، يضيف: “لم نكتفي بالمخدر وربطنا يديها ورجليها بالشاش في السرير، ثم صعدت إلى غرفتي، بعد أن أمرت الممرضة فاتن بالمبيت معها”.

عندما نسأل محمود خيري يعلق أنه انصرف إلى  بهو المستشفى ليتابع عمله، وتقول “فاتن” أمام النيابة ذلك.

بعد 3 ساعات، بالتحديد الساعة 2:30 صباحاً، سمع “شوقي” صوت ارتطام قوي، خرج من غرفته التي يعيش فيها بالمستشفى مع زوجته وأولاده ليكتشف مصدر الصوت، بينما كان جسد “ماجدالينا” ملقى على الأرض أسفل غرفة 307، التي كانت مخدرة ومربوطة فيها.

يقول الطبيب إنها “فكت قيدها من السرير، بعد انتهاء تأثير المهدئات من جسدها، كنت قد أعطيتها 5 ميللي جرام، من الـ hallopridol و midazolam، لكنه لم يكن كافياً”.

انتبهت “فاتن”، التي كانت تنام في السرير المقابل لـ”ماجدالينا” على حركتها، لكنها كانت أسرع منها، مسكت الفتاة البولندية حامل من الصلب معلق فيه محلول الجلوكوز، وهددتها كي تبتعد عنها، وفتحت الشباك المجاور لسريرها ثم حاولت القفز.

تكمل “فاتن” تفاصيل القصة، تقول إنها كانت تجلس معها في الغرفة، حين استردت وعيها وحاولت فك الشاش من حول يديها ورجليها، ناديت على زميلي الممرض، فأغلق عَلِينا باب الغرفة وجرى إلى الأسفل لاستدعاء فريق التمريض مجدداً.

تضيف: “أصبحنا وحدنا في الغرفة، حاولت القفز مرتين، وفشلت حين مسكت بقدميها، لكنها ضربتني بقدمها اليمنى في صدري، وسقطت على الأرض، ثم قفزت من النافذة سريعاً”.

ننصرف من غرفة “ماجدالينا” مع الطبيب أحمد شوقي بعد أن يشرح لنا كيف قفزت من شرفتها، يحاوط ذهننا أسباب الانتحار، تقول عائلتها إنها لم تعاني من أي أمراض نفسية من قبل، ويؤكد ذلك صديقها في حوار وحيد لصحيفة بولندية عادية نجح من خلالها صحفي في لقاءه، بينما رفض الحديث فيما بعد.

لكن صديقها السابق، قال في حوار آخر إنها كانت تعاني من أمراض نفسية. يميل رأي البعض في تصديقه، بينما يشكك آخرون في نواياه، وتبقى مكالمتها مع صديقها سراً بعض خيوطه عند محمود خيري.

بصعوبة بالغة نصل إلى محمود خيري، آخر خيط في القصة، يرفض بشكل قاطع الحديث لأي وسيلة إعلامية، يقول: “اكتفيت بشهادتي في النيابة”، على مدار أيام اتُهم “خيري” بـ”تورطه في شبكات للاتجار بالبشر، باعتباره وسيلة لنقل فتيات أوروبا الشرقية لراغبي المتعة في الخليج”، كذلك اتهم بالتستر على “اغتصاب الفتاة من قبل شخص ما”.

يجعلني أنتظر دقائق على الهاتف، بينما يتحدث البولندية مع فتاة، كان صوته مماثلاً لصوته، الذي ظهر في فيديو ماجدالينا مع صديقها، يترجم فيه ما تقول إلى شخص آخر ليس معروف هويته. كان صوته واضحاً حين ترجم حديث صديقها: “ماتشو سيأتي غداً ليأخذها”، ورغم ترجمته إلا أنه  طوال الـ13 دقيقة لم يتدخل في الحديث بينها وبين صديقها.

يوافق محمود خيري أخيراً على مقابلتنا شرط عدم التحدث في القضية، لكنه يبدأ في الحديث عنها بمجرد الجلوس معه. يعيش في مدينة بورتو غالب بمرسى علم، أتى من الشرقية بعد دراسة اللغة البولندية، واختار كالعديد من خريجي كلية الألسن العمل مندوبين في شركات السياحة. يجلس بجانبه صديق آخر درس اللغة التشيكية، كلاهما ظهرا في ممر طرقة المستشفى، وحاولا مع فريق التمريض حملها بالقوة.

كانت ملابسهما مختلفة عن طاقم المستشفى. لذلك دارت أسئلة وشكوك حول هويتهما، لكن الطبيب شوقي يقول إنه طلب الاستعانة بهم لعدم توافر عدد مناسب للتعامل مع الحالة.

ينشغل محمود خيري بهاتفه أكثر مما يحدثنا، يتابع الأخبار، ويقول إن الطبيب الشرعي سيصدر بيانه اليوم، بين الحين والآخر يتحدث عن الفتاة وعن سلوكها غير المفهوم منذ حضورها، ويرفض الإجابة على أي سؤال.

يستقبل مكالمة من شخص ما، يخبره بنشر أحد المواقع تقرير الطبيب الشرعي، يطلب منه إرسال الخبر على تطبيق “واتس آب”، ويغلق المكالمة، يفتح الخبر بمجرد إرسال الرسالة، يقرأ بيان الطبيب الشرعي بصوت عالي.

سبب الوفاة سقوط السائحة زوك ماجدولينا، من الطابق العلوي بالمستشفى، مما أحدث ارتطاماً دموياً وهوائياً بالرئتين وتهتكهما، وكسور عظام في الوجه والقفص الصدري والحوض، وارتجاج في المخ، ما أدى إلى وفاتها”

يضع محمود خيري هاتفه على الطاولة، ويقول انتهت التحقيقات، وسأقاضي الجميع.

مواضيع متعلقة

ضد التهميش والفقر.. (س&ج) حول مظاهرات الحسيمة في المغرب

في أكبر مظاهرة منذ بدء الحراك المغربي، في أكتوبر 2016، تظاهر آلاف المغاربة، مساء الخميس، 18 مايو، في مدينة الحسيمة المغربية للتنديد بالفساد، والتهميش. المتظاهرون الذين تجمعوا في ساحة محمد السادس، بوسط مدينة “الحسيمة”، أغلقوا الشركات والمحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، وهددوا بإضراب عام في البلاد، إذ لم تنفذ السلطات المغربية مطلبهم بمساواتهم بباقي المناطق في…

"العزم يجمعنا".. لماذا يضطر ترامب إلقاء محاضرة عن الإسلام في السعودية؟

بينما اختار سلفه، باراك أوباما، القاهرة، لإلقاء خطابه الأول للعالم الإسلامي فضّل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المملكة العربية السعودية، ضمن جولة خارجية تشمل إسرائيل والفاتيكان وبروكسل وإيطاليا. “ترامب”، الذي دائماً ما يربط الإسلام بالتطرف والإرهاب، وجد نفسه مضطراً لإلقاء خطاباً حول “رؤية سلمية” للإسلام أمام قادة أكثر من 50 دولة مسلمة، السبت، 20 مايو، في…

حصار مسقط رأس نمر النمر.. ماذا تريد السعودية من "العوامية"؟

تعيش بلدة “العوامية” السعودية يومها السادس تحت الحصار من قبل أجهزة الأمن في المملكة، بعد مواجهات بين الأهالي والشرطة أسفرت عن مقتل عدة مدنيين، بينهم أطفال، في حي “المسورة” التاريخي. المواجهات التي اندلعت قبل حوالي أسبوع، بررها بيان صادر من وزارة الداخلية السعودية، الجمعة الماضية، بـ”تعرض العمال في مشروع المسورة لإطلاق نار من قبل المسلحين…

"لا نور لا ميّه" في غزة.. احذروا العواقب

مع استمرار تفاقم الوضع الإنساني في قطاع غزة، يعيش سكان القطاع المحاصر، منذ 10 سنوات، على شفا انهيار شامل للبنية التحتية والاقتصاد المتهالكان، بفعل شح الطاقة والنقص الحاد في الوقود، بحسب بيان للجنة الدولية للصليب الأحمر. الوضع الحرج للقطاع، الذي يعيش فيه نحو 1.5 مليون نسمة، يهدد بعدم القدرة على توفير خدمات أساسية، مثل الرعاية…